المسؤولية والتعويض عن الفعل الضار

تعد قضية المسؤولية عن الفعل الضار والتعويض عنه من القضايا الهامة التي تشغل بال الكثير من الأشخاص في المملكة العربية السعودية، حيث يكون الهدف الأساسي من تلك القضية هو حماية حقوق الشخص المتضرر جراء الأضرار التي لحقت به بسبب الأفعال الضارة، وتوفير العدالة والتعويض المناسب لهذا الضرر، والجدير بالإشارة أن المملكة العربية السعودية تعد في مقدمة دول العالم من حيث العمل بجدية على إرساء وتطوير الأنظمة والتشريعات التي تحمي حقوق المواطنين والمقيمين في أرضها، حيث أصدرت المملكة مؤخراً نظام المعاملات المدنية الذي يهدف إلى تنظيم أحكام العقود والمعاملات المالية بين الأفراد، وكذلك الأحكام الخاصة بالمسؤولية والتعويض عن الفعل الضار الناشئ في المملكة، وفي هذا المقال سيتم عرض الأحكام التي تنظم المسؤولية والتعويض عن الفعل الضار تفصيلاً كمساهمة بجانب ما تشهده المملكة من جهود مضاعفة لتعزيز هذه المسؤولية، وترسيخها في السلوكيات الحقوقية والأخلاقية السليمة للشخص والمجتمع، بما يحد من الأضرار الناجمة عن الأفعال الخاطئة والضارة، وذلك وفق ما جاء في نظام المعاملات المدنية.

نبذة عن نظام المعاملات المدنية

نظام المعاملات المدنية هو مجموعة من القواعد والأحكام العامة التي تهدف إلى تنظيم أحكام العقود والمعاملات المالية بين الأفراد، ويعد النظام حاكماً على جميع المعاملات المدنية، ما لم يوجد نظام خاص ينظم معاملات خاصة فالعبرة بالنص الخاص.

ويهدف النظام إلى تعزيز استقرار التعاملات، وتقليل أسباب إبطال العقود أو فسخها، وتوسيع الحرية التعاقدية، فالأصل في العقود والشروط الصحة والجواز، وهذا ينسجم مع التطور المتسارع الذي تشهده المملكة والذي يتطلب مرونة في إنشاء العقود، كما يهدف إلى حماية الملكية الفردية، فحماية الملكية تسهم في زيادة النشاط الاقتصادي.

 

ومن أبرز الأحكام التي تضمنها النظام أحكام التعويض عن الضرر في حال وجود فعل من شخص سبب ضرراً بالغير مثل الإضرار بالممتلكات أو الإضرار بالنفس، وبيان القواعد التي تحدد مقدار التعويض الذي يستحقه المتضرر، وجعل نظام المعاملات المدنية الحق في التعويض عن الضرر شاملاً للتعويض عن الكسب الفائت، فإذا كان المتضرر ينتظر كسباً محققاً أو أرباحاً محققة ثم أضر به آخر حتى فوت عليه هذا الكسب المحقق فللمتضرر الحق في المطالبة بالتعويض عن الكسب الفائت، ويمكن للمحكمة أن تعوضه بقدر ما فاته من كسب، كما أثبت نظام المعاملات المدنية الحق في التعويض عن الضرر المعنوي، فإذا أصاب شخص أذى نفسي أو ضرر في سمعته بسبب اعتداء أو فعل من شخص آخر، فللمتضرر الحق في التعويض، والنظام في هذا يتماشى مع التجارب الحديثة في هذا الشأن.

مسؤولية الشخص عن فعله الضار 

في بداية الأمر يجب العلم بأن أحكام المسؤولية الناشئة عن الفعل الضار في السعودية والتي سيتم تناولها باستفاضة فيما يلي، تسري على الشخص ذي الصفة الطبيعية (الفرد) أو الاعتبارية (المنشأة) في المملكة، كما أنه لا تخل المسؤولية المدنية بالمسؤولية الجزائية، ولا تأثير للعقوبة في تحديد نطاق المسؤولية المدنية وتقدير التعويض.

وبالنسبة لمسؤولية الشخص عن فعله الضار في المملكة العربية السعودية فقد أكد نظام المعاملات المدنية على أنه كل خطأ سبب ضرراً للغير يُلزم من ارتكبه بالتعويض، وأنه إذا كان الفعل الضار من مباشر له، عُد الضرر ناشئاً بسبب ذلك الفعل، ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك.

والجدير بالذكر أنه يكون الشخص مسؤولاً عن الفعل الضار متى صدر منه وهو مميز، أما إذا وقع الضرر من غير المميز ولم يكن هناك من هو مسؤول عن الضرر أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول، لزم غير المميز تعويض مناسب تقدره المحكمة.

كما أنه من أحدث ضرراً وهو في حالة دفاع مشروع عن نفس أو عرض أو مال، كان غير مسؤول، على ألا يجاوز دفاعه القدر الضروري لدفع الاعتداء، وإلا كان ملزماً بالتعويض بالقدر الذي تراه المحكمة مناسباً.

ومن أحدث ضرراً للغير ليتفادى ضرراً أكبر محدقاً به أو بغيره، لا يكون ملزماً بالتعويض، إلا بالقدر الذي تراه المحكمة مناسباً.

ويجدر التنويه إلى أنه لا يكون الشخص مسؤولاً إذا ثبت أن الضرر قد نشأ عن سبب لا يد له فيه، كقوة قاهرة أو خطأ الغير أو خطأ المتضرر، ما لم يُتفق على خلاف ذلك.

وأيضاً لا يكون الموظف العام مسؤولاً عن عمله الذي أضر بالغير إذا أداه تنفيذاً لنص نظامي أو لأمر صدر إليه من رئيسه، متى كانت إطاعة هذا النص أو الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد لمبررات مقبولة أنها واجبة، وأثبت أنه كانت لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر.

ومن جانب أخر إذا تعدد المسؤولون عن فعل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر، وتعين المحكمة نصيب كل منهم في التعويض وفق القواعد الواردة في هذا الفصل، وإذا تعذر ذلك كانت المسؤولية بينهم بالتساوي.

أما إذا اشترك المتضرر بخطئه في إحداث الضرر أو زاد فيه، سقط حقه أو بعض حقه في التعويض، وذلك بنسبة اشتراكه فيه.

مسؤولية الشخص عن فعل الغير الضار

أكد نظام المعاملات المدنية على أنه من وجبت عليه نظاماً أو اتفاقاً أو قضاءً رقابة شخص لصغر سنِّه أو قصور حالته العقلية أو الجسمية، كان مسؤولاً عن الضرر الذي أحدثه ذلك الشخص، إلا إذا أثبت متولي الرقابة أنه قد قام بواجب الرقابة بما ينبغي من العناية أو أن الضرر كان لابد من حدوثه ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية.

كما أنه يكون المتبوع مسؤولاً تجاه المتضرر عن الضرر الذي يحدثه تابعه بخطئه أثناء تأدية عمله أو بسبب هذا العمل، إذا كانت للمتبوع سلطة فعلية في رقابة التابع وتوجيهه ولو لم يكن المتبوع حرّاً في اختيار تابعه.

ويكون لمن أدى التعويض عن الشخص الذي وقع منه الضرر في الحالتين السابقتين، حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها ذلك الشخص مسؤولاً عن تعويض الضرر.

 

المسؤولية عن الضرر الناجم عن الأشياء 

يكون حارس الحيوان مسؤولاً عن تعويض الضرر الذي يحدثه الحيوان، ما لم يثبت أن الضرر كان بسبب لا يد له فيه، وكذلك يكون حارس البناء مسؤولاً عن تعويض الضرر الذي يحدثه تهدم البناء كله أو بعضه، ما لم يثبت أن الضرر لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه.

هذا بالإضافة إلى أنه كل من تولى حراسة أشياء تتطلب عناية خاصة بطبيعتها أو بموجب النصوص النظامية للوقاية من ضررها، كان مسؤولاً عما تحدثه تلك الأشياء من ضرر، ما لم يثبت أن الضرر كان بسبب لا يد له فيه.

كما إنه لكل من كان مهدداً بضرر من شيء معين أن يطالب حارسه باتخاذ ما يلزم من التدابير لدرء خطره، فإذا لم يقم باتخاذ هذه التدابير في وقت مناسب فلمن يهدده الخطر أن يحصل على إذن المحكمة في إجرائها على نفقة المالك، ويجوز في حال الاستعجال أن يتخذ ما يلزم من التدابير بغير إذن المحكمة.

ويُعد حارساً للشيء من له بنفسه أو بوساطة غيره سلطة فعليّة عليه ولو كان الحارس غير مميز، ويفترض أن مالك الشيء هو حارسه ما لم يقم الدليل على أن الحراسة انتقلت لغيره.

كما أن استعمال الحق في المنافع العامة مقيد بسلامة الغير، فمن استعمل حقه في منفعة عامة وأضر بالغير ضرراً يمكن التحرز منه كان مسؤولاً عن ذلك الضرر.

ضوابط التعويض عن الضرر

يكون التعويض بما يجبر الضرر كاملاً، وذلك بإعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان فيه أو كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر.

كما أنه يتحدد الضرر الذي يلتزم المسؤول بالتعويض عنه بقدر ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب، إذا كان ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار، ويعد كذلك إذا لم يكن في مقدور المتضرر تفاديه ببذل الجهد المعقول الذي تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد.

هذا ويشمل التعويضُ عن الفعل الضار التعويض عن الضرر المعنوي، ويشمل الضرر المعنوي ما يلحق الشخص ذا الصفة الطبيعية من أذى حسي أو نفسي، نتيجة المساس بجسمه أو بحريته أو بعرضه أو بسمعته أو بمركزه الاجتماعي، كما إنه لا ينتقل حق التعويض عن الضرر المعنوي إلى الغير إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى نص نظامي أو اتفاق أو حكم قضائي، وتقدر المحكمة الضرر المعنوي الذي أصاب المتضرر، وتراعي في ذلك نوع الضرر المعنوي وطبيعته وشخص المتضرر.

والجدير بالإشارة، أنه يُقدر التعويض بالنقد، على أنه يجوز للمحكمة تبعاً للظروف وبناءً على طلب المتضرر أن تقضي بالتعويض بالمثل أو بإعادة الحال إلى ما كانت عليه، أو أن تقضي بأمر معين متصل بالفعل الضار.

كما يجوز الحكم بأداء التعويض على أقساط أو في صورة إيراد مرتب، وللمحكمة في هاتين الحالتين أن تحكم بإلزام المدين بتقديم ضمان كاف.

وكذلك إذا ترتب على الفعل الضار تلف جسيم تتعذر معه إعادة الشيء للاستعمال المعد له، فللمتضرر الاحتفاظ به أو تركه للمتلف، والمطالبة بالتعويض في كلتا الحالتين.

وللمحكمة إذا لم تتمكن من تقدير التعويض تقديراً نهائياً أن تقرر تقديراً أولياً للتعويض مع حفظ حق المتضرر في المطالبة بإعادة النظر في تقدير التعويض خلال مدة تعينها.

فإذا كان الضرر واقعاً على النفس أو ما دونها فإن مقدار التعويض عن الإصابة ذاتها يتحدد وفقاً لأحكام الضمان المقدّر في الشريعة الإسلامية في الجناية على النفس وما دونها.

وأخيراً، لا تُسمع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ علم المتضرر بوقوع الضرر وبالمسؤول عنه، وفي جميع الأحوال لا تسمع الدعوى بانقضاء عشر سنوات من تاريخ وقوع الضرر.

أما إذا كانت دعوى التعويض ناشئة عن جريمة، فإنه لا يمتنع سماعها ما دامت الدعوى الجزائية لم يمتنع سماعها.

اترك رد

Block "english-consultaction" not found

Block "arabic-free-consultation" not found

احصل على استشارة قانونية


يمكنكم تعبئة بيانات التواصل في الخانات التالية

وسيقوم فريقنا القانوني بالتواصل معكم في أقرب وقت، لتقديم المساعدة بخصوص طلبكم 

اضغط للتواصل مباشرة